عفيف الدين التلمساني

63

شرح مواقف النفري

فهو مجانس أيضا في الصورة الجسمية وأحكامها . ولذلك قال من هو سيد الكمال « إنما أنا بشر مثلكم » « 1 » . قوله : ( وقال لي : إذا رأيتني فاتبعني ، وإن صرفت وجوه الكل عنك ، فإني أقبل بهم خاضعين إليك ) . قلت : معناه يقول إذا رأيتني قام العلم ينهاك عن اتباعي ، وكذلك أهله ، فلا تسمع إلى العلم ولا لأهل العلم ، وعامل الحضرة بالأدب الذي يليق بها ، وإن خالفك علماء الرسوم والعباد إذا كانوا محجوبي الفهوم ، وبالجملة : العالم على العموم ، ونسب تعالى الصرف إلى نفسه في قوله وإن صرفت وجوه الكل عنك إشعارا منه بأنه الذي قرر العلم فهو الذي أوجب أن ينصرف وجوه أهله ، وهذا الصرف المذكور هو ما يجده العلماء من الانحصار من أقوال العارفين وأفعالهم وأحوالهم ، فيعظم منهم الإنكار ، فأمره أن لا يلتفت إليهم ووعده أنه يقبل بهم خاضعين إليه وذلك لأن الصدق شاهد لنفسه لا يخفى دائما ولا يله ، بل لا بد أن يظهر الصدق على صاحبه ويلهم اللّه عبيده الاعتراف به . قوله : ( وقال لي : إذا رأيتني فأعرض عمن أعرض عنك أو أقبل إليك ) . قلت : إعراضه عمن أعرض أسهل من إعراضه عمن أقبل إليه . قوله : ( وقال لي : إن استخلفتك أقمتك بين يدي ، وجعلت قيوميتي وراء ظهرك وأنا من وراء القيومية ، وسلطاني عمن يمينك وأنا من وراء السلطان ، واختياري عن شمالك وأنا من وراء الاختيار ، ونوري في عينيك وأنا من وراء النور ، ولساني على لسانك وأنا من وراء اللسان ، وأشهدتك أني نصبت ما نصبت وأنا من وراء ما نصبت ، ولم أنصب تجاهك منصبا هو سواي ، فرأيتني بلا غيبة ، وجريت في أحكامي بلا حجبة ) . قلت : معنى استخلفتك أي أقمتك بيني وبين خلقي يتوجهون إليك عند توجههم إلي ، وذلك معنى بين يدي ، وسوف يأتي موقف « أوقفني بين يديه » ونذكر

--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب التوجّه نحو القبلة . . . ، حديث رقم ( 392 ) [ 1 / 156 ] ، ورواه مسلم في صحيحه ، باب السهو في الصلاة والسجود له ، حديث رقم ( 572 ) [ 1 / 401 ] ورواه غيرهما .